رأي

رامي زُهدي يكتب : عن " التَرَشُّح لِلمَجالِس النِيابِيَّة وَالسَعْي لِلمَناصِب"

الحوار

 

"لا تَسْأَلُوا عَن المَناصِب ... إسألوا اللّٰه العفو وَالعافِيَة"

في أوقات التحولات الكبرى، يكثر الساعون إلى المناصب وتتزاحم الطموحات الشخصية تحت لافتة الخدمة العامة والوطنية. غير أن المنصب في جوهره ليس وجاهة اجتماعية ولا مكسبًا شخصيًا ولاغاية في حد ذاته، بل مسؤولية كبرى واختبار حقيقي لمدى إخلاص الفرد لأمته. فهناك فارق عميق بين من يرى المنصب وسيلة لتجسيد مشروع وطني يخدم الناس ويترك أثرًا باقياً، وبين من يعتبره غاية في ذاته يسعى من خلالها إلى نفوذٍ أو سلطة أو مكانة. السياسة في حقيقتها ليست مقاعد ولا عناوين براقة، وإنما فعلٌ من أجل الوطن، تضحية من أجل المصلحة العامة، وبذل يسبق المطامع الخاصة. وفي كل زمان ومكان، يظل التاريخ شاهدًا لا يرحم: يكرم من عمل لأجل وطنه، ويطوي ذكر من عمل لأجل نفسه.

ليست المناصب وجاهة ولا غنيمة، بل أمانة ومسؤولية. الفارق بين رجل الدولة والسياسي أن الأول يعمل لوطنه، بينما الثاني يعمل لنفسه. والتاريخ لا يذكر إلا من صدق العطاء.

قَالَ الله تَعَالَى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"

"عن أبي سعيدٍ عبدالرحمنِ بن سَمُرةَ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ: يَا عَبدَالرَّحمن بن سمُرَةَ، لا تَسْأَل الإمارَةَ؛ فَإنَّكَ إن أُعْطِيتَها عَن غَيْرِ مسأَلَةٍ أُعِنْتَ علَيها، وَإنْ أُعْطِيتَها عَن مسأَلةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإذَا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرها خَيرًا مِنهَا؛ فَأْتِ الَّذِي هُو خيرٌ، وكفِّر عَن يَمينِكَ متفقٌ عَلَيهِ.

وعن أَبي ذرٍّ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ: يا أبا ذَرّ، أَرَاك ضعِيفًا، وَإنِّي أُحِبُّ لكَ مَا أُحِبُّ لِنَفسي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْن، وَلا تُوَلَّيَنَّ مَالَ يتِيمٍ رواه مسلم.

وعنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول اللَّه، ألا تَستعمِلُني؟ فضَرب بِيدِهِ عَلَى مَنْكبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمانةٌ، وإنَّها يَوْمَ القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلَّا مَنْ أخَذها بِحقِّها، وَأدَّى الَّذِي عليهِ فِيها رواه مسلم.

وعن أَبي هُريرة : أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: إنَّكم ستحرِصون عَلَى الإمارةِ، وستَكُونُ نَدَامَةً يَوْم القِيامَةِ رواهُ البخاري.

ففي الأحاديث السابقة دلالة على التَّحذير من سؤال الإمارة والمناصب والسلطات الحاكمة؛ لأنها خطر، فقد يسألها ولا يقوم بالواجب، فينبغي له سؤال العافية، وعدم سؤال الإمارة.

ولهذا قال ﷺ لعبدالرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنَّك إن أُعطيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتَها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، فإذا أُعطيها عن غير مسألةٍ وألزمها؛ فإنَّ الله يُعينه إذا صدق ونصح، أمَّا أن يسألها للعلوِّ في الأرض، أو لظلم الناس، أو لجاهٍ، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا خطره عظيم، كما قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

فالمناصب والحكم والسلطة خطرها عظيم، فإذا بُلِيَ بها الإنسانُ وصبر واستعان بالله عليها أُجِرَ، وأمَّا السؤال فلا ينبغي له أن يسألها. وهكذا قال النبيُّ ﷺ لأبي ذرٍّ: يا أبا ذرّ، إني أراك رجلًا ضعيفًا، فلا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تُوَلَّيَنَّ مالَ يتيمٍ. وهذا يُفيد أن الإنسان الضَّعيف لا ينبغي له أن يقبل الإمارةَ، ولا يتولَّى مال الأيتام؛ لأنه قد يضعف عن القيام بالواجب، ولا يُعطي الأيتام حقَّهم، ولا يُعطي الإمارة حقَّها، فينبغي لولاة الأمور أن يُولُّوا الأخيار الأقوياء على الإمارة، الذين يُرجى فيهم النَّفع الكبير.

ويقول ﷺ: إنَّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون خِزْيًا وندامةً، إلا مَن أخذها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها. فالمقصود أنَّ الإمارة فيها خطرٌ، فينبغي للمؤمن تجنبها، إلا عند الحاجة إليها؛ إذا أمره وليُّ الأمر واحتِيجَ إليه فليَسْتَعِنْ بالله.

إن هذه النصوص تضعنا أمام قاعدة ذهبية في فهم السياسة والمناصب، فالأصل في المنصب أنه تكليف لا تشريف، وأنه امتحان عسير لا امتياز يسير. من يطلبه طمعًا أو تكبرًا فقد عرّض نفسه للخذلان، ومن جاءه تكليفًا فليعلم أن العون الإلهي مرهون بالصدق والإخلاص.

والسياسة في جوهرها ليست فن الممكن فقط كما يحلو للبعض أن يردد، بل هي فن المسؤولية وأمانة المصير. السياسي الذي يفكر بنفسه فقط، هو خطر على وطنه قبل أن يكون خطرًا على نفسه. أما رجل الدولة السياسي، فهو الذي يفكر بما يقدمه لوطنه وأمته، ويعتبر نفسه جزءًا من مشروع أكبر من ذاته. الفرق بين الاثنين شاسع: أحدهما يُثقل كاهل بلاده بمصالحه، والآخر ينهض ببلاده على حساب ذاته.

وإذا نظرنا إلى واقعنا العربي، نرى بوضوح أن جزءًا كبيرًا من أزماتنا يعود إلى غلبة "السياسي فقط" على مشهدنا العام، وندرة "رجال الدولة". السياسي فقط يعيش دورة انتخابية قصيرة الأجل، يخطط لما يربحه من مقعده وما يحصله من نفوذ، بينما رجل الدولة يعيش هاجس الأجيال القادمة، يزرع وهو يعلم أنه ربما لن يجني الثمار.

إن الأمة التي يغلب عليها السياسيون فقط أمة محكومة بالركود، لأن كل واحد منهم ينظر إلى الكرسي كغنيمة، لا كأمانة. أما الأمة التي تُنجب رجال دولة، فهي أمة قادرة على النهوض، حتى لو قلّ عددهم، لأن عملهم يترك بصمات في التاريخ لا تمحوها العواصف.

وحتى تتضح الفكرة أكثر، لننظر إلى أمثلة من التاريخ، الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يسعى إلى الإمارة، بل جاءت إليه كتكليف، وكان يبكي من ثقلها ويقول: "لو أن بغلة عثرت في العراق لسُئل عنها عمر". 

كما هذا هو رجل الدولة الذي يرى السلطة مسؤولية أمام الله قبل أن تكون وجاهة أمام الناس. وفي عصرنا الحديث نجد قادة مثل مانديلا، الذي خرج من السجن بعد سبعة وعشرين عامًا فلم يطلب الانتقام ولا كرسي الحكم لنفسه، بل سعى لبناء دولة يتساوى فيها الجميع. في المقابل، نجد سياسيين كثُر مرّوا على الكراسي، لا يذكرهم التاريخ إلا بما نهبوه أو بما تركوه من فساد، لأنهم كانوا "سياسيين فقط".

ومن المؤلم أن نرى في واقعنا اليوم من يطلب المنصب لا ليخدم وطنه، بل ليخدم مصالحه الخاصة، ومن يلهث وراء المقعد لا ليبني دولة، بل ليبني ثروة. هنا يتجلى الخطر الأكبر حين تتحول السياسة من رسالة إلى تجارة، ومن أمانة إلى غنيمة.

لقد آن الأوان أن ندرك أن المناصب زائلة، وأن التاريخ لا يذكر أصحاب الكراسي بل أصحاب المواقف. كل من جلس على كرسي مرّ، لكن من وقف بشرف أمام الحق والواجب بقى. وما بين رجل يسعى إلى منصب ليضيفه إلى سيرته، ورجل يسعى إلى منصب ليضيف سيرته إلى تاريخ وطنه، ينعقد الفرق بين الخلود والزوال.

وهكذا، فإن المناصب ليست غنيمة يتهافت عليها المتسابقون، ولا مقاعد يتزين بها أصحاب الوجاهات. إنها امتحان عسير، وأمانة ثقيلة، لا يحملها بحق إلا من عرف أن القيادة تضحية، وأن خدمة الوطن عبء لا يقدر عليه إلا من تجرد من نفسه ليكون لبلاده، لا لذاته.

أيها الساعون إلى مواقع السلطة، اعلموا أن الفرق بين رجل الدولة والسياسي فرق بين من يعطي بلا حساب، وبين من يأخذ بلا شبع. رجل الدولة ينظر إلى الأفق البعيد، إلى مشروع يبقى بعده، إلى أثر يخلد اسمه في سجل الوطن. أما السياسي العابر فيرى اللحظة فقط، يبحث عن مجدٍ زائل أو منفعة مؤقتة، ثم يذهب كما ذهب غيره، فلا يذكره الناس إلا بما خذل أو بما ضيّع.

لقد علمنا التاريخ أن الأوطان لا تنهض بالكثرة ولا بالشعارات، بل تنهض برجالٍ يصدقون الوعد، ويصبرون على البلاء، ويضعون الوطن في سويداء القلب. وعلمنا أن المجالس النيابية، وكل موقع للسلطة، لا تكتسب قيمتها من مقاعدها ولا من ألقابها، بل من صدق من جلس عليها، ومن إخلاص من حمل أمانتها، ومن قدرته على أن يكون صوتًا للحق لا بوقًا للمصالح.

للجميع، لا تُنخدعوا ببريق المناصب ولا بلمعان العناوين، فكم من عرشٍ انهار فوق رأس صاحبه، وكم من اسمٍ ارتفع لأنه أعطى ولم يأخذ، وضحى ولم يساوم. تذكر دائمًا أن السياسة التي تُبنى على الأنانية زائلة، والسياسة التي تُبنى على الإخلاص باقية.

وفي النهاية، لن يُسأل رجال الدولة: ماذا أخذتم من أوطانكم؟ بل سيسألون: ماذا أعطيتم لها؟ وحينها سيظهر الفارق بين من عمل لنفسه ومن عمل لوطنه، بين من كان عابرًا في ذاكرة الناس، ومن صار عنوانًا في كتاب التاريخ.

ليظل؛ 
الفرق بين رجل الدولة السياسي وبين السياسي فقط: رجل الدولة السياسي يريد أن يفعل شيئا من أجل بلاده، والسياسي فقط يريد من بلاده أن تفعل شيئا من أجله.

قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.

 

تم نسخ الرابط